ردّ الأب أندريه نوفيكوف على قرار محكمة مجمع بطريركيّة الإسكندريّة
فيما يتعلّق بالقرار المناهض للقانون الكنسيّ الصادر عن محكمة مجمع بطريركيّة الإسكندريّة بـ"تجريدي" أنا، المتقدّم الكهنة الأب أندريه نوفيكوف، والكاهن جاورجيوس ماكسيموف، أودّ أن أقول ما يلي.
إنّنا نتصرّف وفقًا لقرار مجمع الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة بشأن إنشاء إكسارخوسيّة بطريركيّة موسكو في أفريقيا وببركة إدارتنا الكنسيّة. وهذا القرار، كما تمّ توضيحه، مرارًا، يستند إلى أسس لاهوتيّة وقانونيّة ذات أهمّية كبيرة. أودّ أن أذكّر بأنّه في العام 2019، بدأ البطريرك ثيوذروس الإسكندريّ تذكير رئيس الكيان المنشقّ الأوكرانيّ، واعترف بما يُسمّى "الكنيسة الأرثوذكسيّة في أوكرانيا" ككنيسة شرعيّة لأوكرانيا، ثمّ اشترك في الخدم الافخارستيّة مع المنشقّين. وهكذا، أصبحت كنيسة الإسكندريّة واحدة مع الانشقاق.
لم يكتفِ مجمع كنيسة الإسكندريّة بعدم إدانة الفعل غير القانوني لبطريركه، بل أقرّ في بيانه بقراره كأمر واقع في الحياة الكنسيّة لبطريركيّته. وكانت جميع الكنائس المحلّيّة، بما فيها مجمع الإسكندريّة، قد أدانت سابقًا الانشقاق الأوكرانيّ، واعترفت بالكنيسة الأرثوذكسيّة الأوكرانيّة القانونيّة، التي يرأسها حاليًّا المطران أونوفريوس مطران كييف وسائر أوكرانيا، باعتبارها الكنيسة الشرعيّة الوحيدة في البلاد.
ومن الواضح أنّ اتّخاذ قرار أرثوذكسيّ شامل بإدانة المؤسسة الأوكرانيّة غير القانونيّة باعتبارها انشقاقيّة، والاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسيّة الأوكرانيّة داخل بطريركيّة موسكو باعتبارها الكنيسة القانونيّة الوحيدة، وبانضمامه إلى الانشقاق الأوكراني، أصبح بطريرك الإسكندريّة نفسه جزءًا من هذا الانشقاق، وتمّت إدانته من قبل الأرثوذكسيّة الشاملة، بما في ذلك إدانته هو شخصيًّا.
ولقد رفض العديد من الكهنة الأفارقة رفضًا قاطعًا المشاركة في هذا الانشقاق، لأنّه يعني الانضمام الحتميّ إلى الكنيسة المنشقّة. فليس هناك من كاهن بمعزل أو متفرّد عن غيره، بل هو جزء من كيان كنسيّ واحد لكنيسته المحلّيّة، التي تضم بطريركها وأسقفها وسائر إكليرسها. وقد ناشد هؤلاء الكهنة، نيابةً عن رعاياهم، قداسة البطريرك كيريل، بطريرك موسكو وسائر روسيا، طالبين منه قبولهم تحت رعاية الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة التي رفضت الانشقاق، لإنقاذهم من انضمام لم يرغبوا فيه، قطّ، بل لم يستشاروا فيه، إنّما صار وضعًا فُرض عليهم فرضًا.
يُقال لنا إنّ السبب الوحيد للانفصال عن الإدارة الكنسيّة هو التبشير العلنيّ ببدعة أدانها بطريرك أو أسقف، وفقًا للقانونين 13-15 من المجمع المسكونيّ الثاني. بينما، في الوقت نفسه، يُغفل عن نصّ القانون السادس من المجمع المسكونيّ الثاني، الذي ساوى فيه الآباء بين الانشقاق والبدعة، إغفالًا مُخزيًا: "نُطلق لقب الهراطقة على كلّ الذين أُعلنوا غرباء عن الكنيسة منذ زمن طويل، والذين... رغم تظاهرهم بالتمسّك بإيماننا بشكل صحيح، انفصلوا عنّا ويعقدون اجتماعات ضدّ أساقفتنا المرسومين بشكل قانونيّ ". بعبارة أخرى، يوضح هذا القانون الوضع الكلاسيكيّ للانشقاق الأوكرانيّ، الذي دعمته بطريركيّة الإسكندرية. علاوة على ذلك، يدين آباء المجمع الثاني كلّ بطريرك او مطران يُبشّر ببدعة (بما في ذلك الانشقاق)، وليس، فقط، عندما يقوم ببدعة ما أو يُحدث انشقاقًا، وبناء علىالحالة الأخيرة، يصبح هذا البطريرك ومن يتبعه تلقائيًّا هراطقة ومنشقّين. وهذا ليس مجرد وعظ أو أقوال؛ إنه فعل له عواقبه القانونيّة المباشرة والفوريّة.
ولهذا السبب تحديدًا، لم يكن رجال الدين الأرثوذكس والعلمانيّون في القرن الخامس عشر بحاجة إلى انتظار المجمع الأرثوذكسيّ الجامع للانفصال عن بطريرك ومطارنة القسطنطينيّة، الذين قبلوا الاتّحاد مع الكاثوليك. ولم يكتفوا بعدم مخالفة القوانين الكنسيّة المقدّسة، بل على العكس، ضربوا مثالًا يُحتذى به في الإخلاص للأرثوذكسيّة المقدّسة.
إنّ مسألة البقاء في شركة مع منشقٍّ ليست مسألة جغرافيّة سياسيّة (مع أنّ الانشقاق نشأ من جغرافيّة سياسيّة معادية للأرثوذكسيّة)، ولا هي نزاعات على الممتلكات والأراضي (مع أنّ مسألة أراضي الكنيسة لها أهمّيّة قانونيّة بالغة)، ولا استنادًا للهويّة الوطنيّة. إنّها مسألة البقاء في كنيسة المسيح الحقيقيّة أو الارتداد عنها، مسألة خلاص؛ ولا شيء أسمى من ذلك. وهنا، في التعليم الأرثوذكسيّ، لا مجال للاختلاف؛ فهذا هو مجال العقيدة.
قال القدّيس الشهيد إغناطيوس حامل الله: "لا تخدعوا أنفسكم يا إخوتي! كلّ من يتبع من يدعم الانشقاق لن يرث ملكوت الله" (الرسالة إلى أهل فيلادلفيا).
وقال الشهيد إيريناوس الليونيّ: "إذا لم يحافظ المؤمنون على الوحدة والتواصل الصادق مع الكنيسة، فحتّى ولو ضحوا بأنفسهم في سبيل الاعتراف باسم المسيح، لن يُغفر ذنبهم حتّى بدمهم المسفوك نفسه، فإثم الانقسام لا يُمحى والانشقاق الخطير لا يُطهر حتّى بالمعاناة. من هو خارج الكنيسة لا يمكن أن يكون شهيدًا؛ ومن يتخلّى عن الكنيسة التي ستملك، لا يمكن اعتباره جديرًا بالملك" (الكتب الخمسة ضدّ الهرطقات).
ويشير القدّيس أوغسطينوس أسقف هيبّو إلى: "نؤمن بالكنيسة الجامعة المقدّسة. ومع ذلك، يُطلق الهراطقة والمنشقّون على جماعاتهم اسم كنائس. لكنّ الهراطقة، بفهمهم الخاطئ لله، يُشوّهون الإيمان نفسه؛ والمنشقّون، من خلال الانقسامات غير المشروعة، ينحرفون عن المحبّة الأخويّة، مع أنّهم يؤمنون بما نؤمن به. لذلك، لا ينتمي الهراطقة إلى الكنيسة الجامعة التي تُحبّ الله، ولا ينتمي إليها المنشقّون" (عن دستور الإيمان).
ويؤكّد القدّيس يوحنّا فم الذهب: "بأنّ إحداث انقسامات في الكنيسة ليس أقلّ شرًّا من الوقوع في الهرطقة ... إنّ خطيئة الانشقاق لا تغسل حتّى بدم الشهداء" (تفسير رسالة أفسس).
ويظهر الواقع كم لدى الكهنة والعلمانيّين الأفارقة العاديين من فهمٌ أعمق بكثير لقوانين الكنيسة وتعاليم آبائها القدماء مقارنةً بإدارتهم اليونانيّة. لذا، جاء اعتناق الكهنة الأفارقة للأرثوذكسيّة الحلّ الكنسيّ الصحيح والوحيد الممكن إزاء الموقف الذي وجدوا أنفسهم فيه بسبب خطأ بطريركهم. ولم يكن أمام إدارة الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة خيارٌ سوى قبول هؤلاء الكهنة ورعايتهم. إيمانًا منهم لواجبهم الكنسيّ والأخلاقيّ، وتعبيرًا عن حرصهم المسيحيّ على خلاص جيرانهم وإخوانهم المؤمنين. وأمّا إن رفضت الكنيسة الروسيّة، فسيأتي رفضها نتيجة قرار سياسيّ بحت، مدفوعة للحفاظ على "العلاقات الطيّبة"، وتجنّب "المشاكل غير الضرورية"، و"الحفاظ على التوازن" - أي عدم الحرص على الخلاص في المسيح.
هذه هي تحديدًا المهمّة المتواضعة التي نضطلع بها أنا والأب جاورجيوس، وهي مهمّة لا نقوم بها بمفردنا. إنّ توزيع الأنديمينسة المقدّسة والميرون المقدّسة، وخدمتنا المشتركة مع رجال الدين الأفارقة الذين ظلّوا أوفياء للأرثوذكسيّة، وصلواتنا مع رعايانا، وتواصلنا الروحي معهم، وتنظيم المساعدات الإنسانيّة، كلّ ذلك يشكّل خطوة لا رجعة فيها من جانب الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة، التي تمثل الغالبيّة العظمى من المسيحيّين الأرثوذكس في العالم. وتذكّروا: إنّ كهنة وعلمانيّي أفريقيا، الذين دخلت الكنيسة الروسيّة معهم في شركة إيمانيّة، لم يغادروا الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسوليّة، بل بقوا فيها. لقد انحرفت قيادتهم الكنسيّة السابقة عن هذه الكنيسة، وانضمّت إلى "كنيسة" الانشقاق الأوكرانيّ الجديدة، فصارت كما قال المخلّص: "من لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ (متّى 18:16).
لم تتعدَّ الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة على أيِّ أرض تعود قانونيًّا لأيِّ كنيسة، لأنَّ المنشقَّين لا يملكون نطاقًا قانونيًّا. وبالمثل، فحتّى قبل قرار المجمع المسكونيّ الثالث القائل بإدانة بدعة النسطوريّة وعزل رئيسها، قبل القدّيسان سلستين الرومانيّ وكيرلّس الإسكندريّ في القرن الخامس رجال دين كنيسة القسطنطينيّة الذين توقّفوا عن ذكر اسم بطريركهم نسطوريوس.
أخيرًا، تعمّدتُ عدم التطرّق إلى المعاملة المروّعة التي عانى منها رجال الدين والمؤمنون الأفارقة على يد بطريركيّة الإسكندريّة، والتي لدينا عنها شهادات عديدة موثَّة وصادقة. سأكتقي بتقديم نصيحة متواضعة لبطريركيّة الإسكندريّة: بالنسبة للقادة البيض، فإنّ التحريض على الاضطهاد والانتقام الحقيقيّين ضدّ رجال الدين المحلّيّين وعامّة الشعب الذين يخالفونهم الرأي ليس أفضل السبل لكسب قلوب الناس في القارّة الأفريقيّة.
الأب أندريه نوفيكوف،
عضو اللجنة الكتابيّة اللّاهوتيّة لدى المجمع المقدّس
وهيئة تمثيل الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة بين المجامع،
راعي كنيسة الثالوث القدّوس المُحيي في موسكو