الصفحة الرئسيّة أخبار
سيادة المطران هيلاريون متروبوليت فولوكولامسك ألقى محاضر…

سيادة المطران هيلاريون متروبوليت فولوكولامسك ألقى محاضرة عبر الانترنت لمعهد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ اللاهوتيّ (جامعة البلمند).

ألقى سيادة المطران هيلاريون رئيس قسم العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو محاضرة بتاريخ 29 كانون الثاني 2021 بعنوان "استعلان سرّ والدة الإله في كتابات القدّيس يوحنا الدمشقي اللاهوتي" وذلك بمناسبة اليوبيل الخمسين لمعهد القدّيس يوحنا الدمشقيّ اللاهوتيّ.

بدوره، رحب قدس الارشمندريت د.يعقوب خليل عميد المعهد، بسيادة المتروبوليت وبالمشاركين ومتابعي المحاضرة نيابةً عن جميع المعلمين وطلاب المعهد.

بعد انتهاء المحاضرة أجاب سيادته على الأسئلة التي طُرحت من قِبَل المتابعين وطلاب المعهد.

 

 

استعلان سرّ والدة الإله في كتابات القدّيس يوحنا الدمشقيّ اللاهوتيّة

 

إنّه لمن دواعي سروري أن ألقي هذا الحديث من ضمن سلسلة المحاضرات التي يحتفل بها معهد القدّيس يوحنا الدمشقيّ اللاهوتيّ بيوبيله الذهبيّ

خمسون عامًا مَضت وهذا الصرح الرياديّ لعلم اللاهوت في الشرق الأوسط يُغدق على الكنيسة قامات كبيرة من رؤساء الكهنة والكهنة والعلمانيّين

وكما تعلمون، إنّ صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر هو أيضًا من خرّيجي المعهد

أودّ أن أحيّي المستمعين الذين انضمّوا إلينا، لا سيّما قدس الأرشمندريت يعقوب خليل عميد المعهد، والأساتذة، وسائر الموظّفين والطلاّب

كما وأنقل إليكم بركة صاحب القداسة كيريل، بطريرك موسكو سائر روسيّا، مع أطيب التحيّات

في هذه المحاضرة، سأحاول أن أعرض لكم بإيجاز كيف يتكشّف سرّ والدة الإله في الكتابات اللاهوتيّة للقدّيس يوحنا الدمشقيّ، شفيع هذا المعهد

 إنّ تكريم والدة الإله لمتجذّر في صلب التسليم الأرثوذكسيّ، وأمّا تكشُّفُ "سرّ والدة الإله" فاتّخذ منحىً تدريجيًّا في تسليم الكنيسة الشرقيّة، واستغرق عدّة مراحل

1) أوّلاً، أمّ يسوع كما يذكرها الإنجيل وكتاب أعمال الرسل

2) لاحقًا، أمّ يسوع كما يذكرها آباء الكنيسة الأولى في كتاباتهم، لا سيّما يوستينوس الفيلسوف وإيريناوس أسقف ليون

3) والدة الإله كما يذكرها آباء الكنيسة في القرن الرابع وأوائل القرن الخامس وإقرار عقيدة البتوليّة الدائمة لوالدة الإله 

4) الخلافات حول مصطلح "والدة الإله" (ثيوطوكس) في القرن الخامس وانتصار عقيدة مريم العذراء والدة الإله كما أعلنها المجمع المسكونيّ الثالث

5) تطوّر التكريم الليتورجيّ لوالدة الإله عقِبَ المجمع المسكونيّ الثالث، ظهور أعياد تكرّم والدة الإله وتكوين قانون معيّن لحياة والدة الإله

وضع نصوص ليتورجيّة مخصّصة لوالدة الإله، جمع قائمة نهائيّة من نصوص العهد القديم التي تُفسَّر كرسوم ظلّيّة لوالدة الإله، وبلوَرَة قانون لإيقونة والدة الإله

لماذا أتكلّم على "سرّ" والدة الإله؟ السبب هو أنّ استعلان هذا السرّ في وجدان الكنيسة الأرثوذكسيّة استغرق قرون. ولكن حتّى يومنا هذا، يبقى هذا الموضوع محجوبًا على الناظر من الخارج

فتكريم والدة الإله، ولكن ليس في كلّ جوانبه، هو شأنٌ يتشاركه الأرثوذكس مع الكاثوليك وحدهم، فيما لا يرى البروتستانتيّون أيّ مبرّرٍ لتكريم مريم، وهم في ذلك يستندون إلى مبدأ sola Scriptura، الكتاب المقدّس وحده

على ما أعلم، وُلدَ القدّيس يوحنا الدمشقيّ في منتصف القرن السابع، ورقد عام 754 كحدٍّ أقصى.  أمّا كتباته فسجّلت شوطًا كبيرًا في بلورة اللاهوت المسيحيّ الشرقيّ، مع صدور عمله الأساسيّ، وهو ثلاثيّة بعنوان "ينبوع المعرفة"، يختصر فيها كلّ ما سبقه من تطوّرات في علم اللاهوت

وبصرف النظر عن ثلاثيّته الرئيسيّة، خطَّ يوحنا الدمشقيّ عددًا كبيرًا من الكتابات في العقيدة ودفاعيّات في تكريم الإيقونات وعظات في الأعياد الكنسيّة، بالإضافة إلى النصوص الليتورجيّة

في هذه المحاضرة، سوف أستعرض بإيجاز نصوصًا في والدة الإله مقتبسة من مقالته "الردّ على النساطرة" ومن كتابه "المئة مقالة في العقيدة الأرثوذكسيّة" وهو الباب الثاث من مؤلّفه "ينبوع المعرفة"

بعد ذلك، سوف ننتقل إلى عظات القدّيس يوحنا الدمشقيّ في أعياد والدة الإله

فمطلع مقالة "الرّد على النساطرة" وختامها مخصّصان لوالدة الإله، وهي تبدأ هكذا:

"علينا أن نفتتح كلامنا إلى النساطرة بالسؤال التالي: من هو الذي حمَلت به العذراء القدّيسة؟ هل هو بالطبيعة ابن الله وابن الإنسان أم هو إنسان؟

فالذين يقولون "هو بالطبيعة ابن الله وإله هم مستقيمو الرأي، لأنّ التي حملت بالله وولدتهُ ألا تكون والدة الإله؟

في متن المقالة، يستفيض القديس يوحنا الدمشقيّ في عرض اللاهوت المسيحيّ الأرثوذكسيّ، ويحاجج قائلاً إنّ كلمة الله والإنسان يسوع هما شخص واحد

ثلاثة فصول من "المئة مقال في العقيدة الأرثوذكسيّة" تركّز على التعليم حول والدة الإله

وفي الفصل المُعنوَن: "في أنّ البتول القديسة هي والدة الإله"، يعدّد القدّيس يوحنا أسباب إعلان المجمع الثالث أنّ العذراء هي والدة الإله:

"لأنّ المولود منها إلهٌ حقيقيّ، ولَعَمري إنّها في الحقيقة والدة الإله تلك التي ولدت الإله الحقيقيّ المتجسّد منها."

ثمّ يشرح الدمشقيّ معنى أنّ الله وُلدَ من عذراء فيقول: 

"كلمة الله نفسه، بصفته مولودًا من الآب ولادة أزليّة قبل الدهور، وبصفته كائنًا لا بدء له منذ الأزل مع الآب والروح

قد سكن في أحشائها في آخر الأيام لأجل خلاصنا، وتجسّد منها بغير استحالة ووُلد"

هكذا يُدلي القديس يوحنا بالحجج الأساسيّة في الجدل حول اسم "والدة الإله"، الذي أثارته هرطقة نسطور. ونذكّر أنّ هذا الأخير أصرّ على القول بأنّ العذراء لم تلد كلمة الله، بل يسوع الإنسان

لذا يستعيد يوحنا الدمشقي حجج كيرلّس الإسكندريّ مستشهدًا بالرسول بولس وقائلاً: "أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة" (غلاطية 4: 4)

 يكتب القديس يوحنا: "إنّ اسم والدة الإله يشمل سرّ التبير الخلاصيّ كلّه. فإذا كانت الوالدة والدة الإله، فالمولود منها إله بكامله وإنسان أيضًا بكامله"

ويجيب الدمشقيّ أنّ المسيح هو في الجوهر والحقيقة إنسان: " وإلاّ كيف قد وُلدَ من امرأةٍ الإله الذي له الوجود قبل الدهور، إذا لم يكن إنسانًا؟

وإنّه لواضحٌ أنّ ابن الإنسان إنسان (...) وإنّما الاسم يدلّ في الحقيقة على أقنوم واحد وطبيعتَين وولادتَين في ربّنا يسوع المسيح"

المجمع المسكونيّ الثالث هو المجمع الذي شدّد على وحدة شخص المسيح، فيما أوضح المجمع المسكونيّ الرابع، معترضًا على القائلين بالطبيعة الواحدة، أنّ المسيح له طبيعة إنسانيّة تامّة

وبقي هو الإله المتجسّد، حيث تحاذت الطبيعتان الإلهيّة والإنسانيّة، من دون امتزاج

 وبعد أن بسطَ يوحنا الدمشقيّ حججَه عن طبيعتَي المسيح، دخل في جدال صريح مع النساطرة، بشأن مصطلح "والدة المسيح" الذي ابتدعه هؤلاء:

"وإنّنا لا نسمّي أبدًا البتول القدّيسة والدة المسيح والسبب في ذلك أنّ نسطوريوس... استنبط هذا اللقب احتقارًا لها. فإنّ داود الملك أيضًا مسيح وهارون رئيس الكهنة كذلك، لأنّه من العادة أن يُدهَنَ الملوك والكهنة بالمسحة"

ويتابع الجدل حول شخص المسيح في هذا الفصل بعنوان "ردّ على السائلين هل والدة الإله القديسة ولدت طبيعتَين، وهل الطبيعتان عُلّقتا على الصليب؟" 

هنا يشدّد القدّيس على أنّ الولادة ليست من صفة الجوهر الإلهيّ المشترك للأقانيم الثلاثة، ولكنّها الصفة الخاصّة بابن الله، ولذا فهي تشير إلى الأقنوم

فالمسيح "وُلدَ بالجسد" من مريم العذراء وكذلك صُلبَ بالجسد، وتألّم بالجسد... فيما بقي لاهوته منزّهًا عن الألم"

في النهاية، في الفصل المعنوَن "في نسبة الربّ ووالدة الإله القدّيسة"، يركّز القديس يوحنا الدمشقيّ على تحدّر والدة الإله من بيت داود، ملاحظًا أنّ ما يرد في إنجيلَي متّى ولوقا هو نسب يوسف

"بيد أنّ متّى يجعل انحدار يوسف من داود بسليمان، ولوقا بناثان. غير أنّ كليهما يصمت عن ميلاد العذراء القدّيسة" لماذا؟ لأنّه "ليست عادة للعبرانيّين ولا للكتاب الإلهيّ إحصاء نسبة النساء"

وفي الوقت نفسه، كانت شريعة ذلك الزمان توصي بأن يتزوّج الرجل امرأة من سبطه. لذلك كانت العذراء مريم أيضًا من سلالة داود

ويعتمد الدمشقيّ في سرد قصّة ميلاد والدة الإله من يواكيم وحنّة على إنجيل يعقوب المنحول

 كما أنّه يسرد البشارة، موضحًا أنّ بتوليّة مريم أُخفيَت عن علم الشيطان[1] وأنّه كان لا بدّ من وجود يوسف ليحمي بتوليّتها

يروي يوحنا الدمشقيّ قصة ولادة المسيح من العذراء، مشددًا على ما هو طبيعيّ وما هو فوق الطبيعة:

"أمّا من جهة أنّه مولود من امرأة ، فقد تمّت ولادته وفقًا لقوانين الولادة الطبيعيّة. ولمّا كان هو بلا أب، فقد تمّت ولادته بما يفوق طبيعة الولادة. 

وبما أنّه قد أتمّ الزمن المعتاد (كان قد أكمل الأشهر التسعة ووُلدَ في بدء العاشر)  فقد كانت ولادته موافقة للطبيعيّة، إلاّ أنها كانت خالية من الألم بما يفوق عادة الطبيعة."

أمّا الرأي القائل بأنّ العذراء مريم لم تعانِ آلامَ المخاض فيستند إلى القراءة الحرفيّة لنبؤة إشعياء: قبل أن تتمخّض ولدَت وأيضًا قبل أن يأخذها الطلق وضعت ذكرًا" (إشعيا 66: 7) 

ونجد لدى القديس غريغوريوس النيصصي تفسيرًا مماثلاً لنبوة إشعياء

يحذو القدّيس يوحنا الدمشقيّ حذو سواه من آباء الكنيسة في دفاعه المستشرس عن عقيدة البتوليّة الدائمة لوالدة الإله فيقول:

 "المسيح في الحبل به قد حفظ من حملته بتولاً (...) إنّ الحمل كان بواسطة السمع، أمّا الولادة فبطريقة الولادة الاعتياديّة" 

ويختم يوحنا الدمشقيّ تفسيره برأيٍ آبائيّ معروف يقول إنّ والدة الإله، وإن لم تعرف آلامَ المخاض، عانت الآلام عندما وقفت تحت صليب ابنها:

"لكنّ تلك المغبوطة ... احتملت الأوجاع التي نجت منها وهي تلد في ساعة آلام المسيح"

في مقالته هذه، يستعرض القديس يوحنا باختصار كلّ المقوّمات الأساسيّة للتعليم الأرثوذكسيّ حول والدة الإله

ونلخّصها كالتالي: 1) هي الدائمة البتوليّة، لأنها كانت عذراء قبل أن تلد المسيح وبقيت عذراء أثناء ولادة المسيح وبعد الولادة

2) تُسمّى والدة الإله لأنها حملت يسوع المسيح الذي هو الله المتجسد ؛ 3) أثناء ولادتها للمسيح ، لم تعانِ ألم المخاض، وإنّما شعرت بذلك الألم عندما وقفت تحت صليبه

كتاب "المئة مقالة في الإيمان" يصمت تمامًا عن ميلاد والدة الإله كما عن رقادها. ويملأ يوحنا الدمشقيّ تلك الثغرات في ما يؤلّفه من عظات ونصوص ليتورجيّة

ولهذا سوف نفحص الآن بإيجاز عظاته الأربع المهداة إلى والدة الإله: واحدة لعيد ميلادها، وثلاث عظات لعيد رقادها

أُلقيَت العظة في ميلاد والدة الإله في أورشليم بالقرب من باب الضأن وبركة بيت حسدا المذكورتَين في الإنجيل (يو 5: 2). ويرد في التراث أنّ منزل يواكيم كان هناك، حيثُ وُلدَت مريم العذراء

تبدأ العظة بالمقارنة المعهودة ما بين مريم وحوّاء:

في حين أن الثانية سمعت من الله عبارة "بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا"، سمعت الأولى "افرحي يا ممتلئة نعمة!" تلك سمعت " وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ!"، وهذه "الرب معك"

إنّ موضوع هذه العظة خريستولوجيّ بامتياز، وفي تأمّله يتنقّل الواعظ باستمرار ما بين ميلاد والدة الإله وميلاد المسيح

إنّ والدة الإله ممجّدة لأنها "تفوق الملائكة ولها سلطة على الملائكة. هي الزنبقة بين الأشواك المولودة من أصل داود الشريف الملوكيّ، هي الوردة التي نبتت من أشواك اليهودية وملأت الدنيا بعبيرها الإلهيّ"

 في كلّ صور العهد القديم، كما يشدّد القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم، نجد رسومًا ظلّيّة لوالدة الإله، ولهذا، أين منها التابوت المكسوّ كلّه بالذهب، والجرّة التي تحوي المنّ، والمصباح والمائدة، وكلّ ما كان من أمورٍ منذ القديم؟"

وفي صورٍ حيّةٍ زاهية، يتكلّم الواعظ عن أمومة والدة الإله

فلمّا صارت أمًّا لله، بلغت من قربى العليّ ما لم يبلغْهُ أيّ بشر: "لحمُهُ من لحمكِ ودمُه من دمكِ، الله رضع من ثدييكِ لبنًا وشفتاكِ اتّحدت بشفتيه"

هذه القربى الفريدة لوالدة الإله من المسيح الطفل كما تصفها تلك الكلمات ستجد تعبيرها في إيقونات والدة الإله من العهد البيزنطيّ المتأخّر

وصورة الطفل الذي يلصق شفتيه بخدّ أمّه، كما نعرفها في نموذج العذراء الراحمة Eleousa، إنّما هي تجسيد حيٌّ للأفكار التي طرحها يوحنا الدمشقيّ في عظته عن ميلاد والدة الإله

وفي ختام عظته هذه، يأتي القدّيس يوحنا بما لم يفعلهُ قطّ من قبل في أيّ عظة لوالدة الإله: يصف شكلها

في القرن الرابع، أكّد المغبوط أوغسطينوس أنّنا لا نعرف أي شيء عن مظهر العذراء مريم

 ثمّ في القرن الثامن، أخبر يوحنا الدمشقي سامعيه عن شكل العذراء الفائقة القداسة:

"أنتِ عقل ناضجٌ في جسد فتيّ. ثوبك المحتشم فائق النعومة والرقة. في مشيتك عين التقوى والرزانة، ولا تعرف تباهي الجهلاء. 

سلوكك كلّه وقار ممزوج بالبهجة... لا يُدانيك بشَر (…). مطيعةٌ أنت خاضعةٌ لوالديك (...) وكلامك فيه فرح يصدر عن روح لا تعرف الغضب"

كمدافع حارّ عن تكريم الإيقونات، لا بدّ أن يكون القدّيس يوحنا قد شاهد عدّة إيقونات لوالدة الإله

ففي القرن الرابع، لم يكن قانون إيقونة والدة الإله تبلوَرَ بعد، أمّا في القرن الثامن، فنراه شبه متكامل

ومنذ ذلك الحين، يكتب المصوّرون إيقونة والدة الإله كما وصفها يوحنا الدمشقيّ

لننتقل الآن إلى أهمّ ما كتبه القدّيس يوحنا الدمشقيّ في والدة الإله: ثلاثيّة عظاته في رقاد السيّدة. أُلقيت هذه العظات الثلاثة خلال سهرانة دامت طول الليل في عيد الرقاد

يفتتح القدّيس يوحنا عظته الأولى بكلام وقور يصف به ميلاد المسيح من العذراء

وعن العذراء نفسها، يقول صاحب العظة: الآب اختارها، والأنبياء تكلّموا عنها بالروح القدس. وقوّة العليّ المقدّسة ظلّلتها، وطهّرتها، وقدّستها

يوجز يوحنا الدمشقيّ أهمّ مراحل حياة والدة الإله، كما يرويها إنجيل يعقوب المنحول، بما فيها قصّة إنجابها من يواكيم وحنّة، وميلادها، ودخولها إلى هيكل أورشليم

ويروي قصّة البشارة مستندًا إلى إنجيل لوقا، فيشير إلى أنّها "حفظت بتوليّتها المزدوجة من دون عيب، بتوليّة النفس كما بتوليّة الجسد"

وفي عظته، يذكر الدمشقيّ أيضًا الرسوم الظلّيّة لوالدة الإله في العهد القديم: 

العلّيقى غير المحترقة كانت رسمًا لكٍ، ولوحا الشريعة، وجرن الذهب، والمصباح، والمائدة وعصا هرون التي أفرعت، كانت كلّها رسمًا لكِ... وخيمة ابراهيم أشارت إليكِ... وكدتُ أنسى سلّم يعقوب... فكما شاهد يعقوب سلّمًا تصل السماء بالأرض... كذلك أنتِ، تقيمين ما بيننا، وقد غدوتِ سلّمَ الوصال بين الله والناس"

بعد أن اقتبس باختصار كلام الأنبياء حول والدة الإله، انتقل كاتب العظة أخيرًا إلى موضوع الرقاد، وروى كيف نُقِلَت والدة الإله إلى السماء:

"الملائكة ونفوس الصدّيقين، والآباء والأنبياء كلّهم يحتفّون بك اليوم في انطلاقكِ إلى ابنك

والرسل يطلّون على ربوات الأبرار الذين اجتمعوا معًا من كل أنحاء الأرض بالأمر الإلهيّ، كسحابة تحيط بأورشليم الإلهية الحيّة، وهم ينشدون لك التسبيح"

نلاحظ هنا عبارة "كسحابة"، وهي توضح أنّ يوحنا الدمشقي يميل إلى التفسير المجازيّ لما ورد في الأدب المنحول أنّ الرسل حُمِلوا على السحاب إلى نعش أم الله،

وأنّ الموتى أقيموا من أجل وداعها. فهو يرى هنا دلالة على المعنى الروحي للحدث، حيث حضر الملائكة والرسل والأموات تمامًا كما يحضرون جميعًا، وفقَ تعليم الكنيسة، عند الاحتفال بسرّ الإفخارستيا

في العظة الأولى عن رقاد والدة الإله، لا ذكرَ لانتقال والدة الإله بالجسد إلى السماء

ما يقوله يوحنا الدمشقيّ هو أنّ نفسها صعدت إلى الله. ولكنّه يؤكد أنّ جسد والدة الإله بقي على الأرض لوقت قصير ولم يلحق به الفساد

وفي قوله إنّ والدة الإله "تفوق السماوات"، يقول صاحب العظة: "هي لا تفوق السماوات المادّيّة، فكيف يمكن أن يُقارن جسدٌ مقداره ثلاثة أذرع بحجم السماء؟

الأحرى أنّها بالنعمة تفوق السموات بالطول والعمق، بما هو إلهيّ لا قياس له"

قياس الذراع الواحد حوالي 46.3 سم. إذا أخذنا الكلام حرفيًا، يعني كلام الدمشقي أنّ طول مريم العذراء يبلغ حوالي 140 أو 150 سم.

ولكن من أين له هذه المعلومات؟ الواضح أنّ حساباته استندت إلى حجم المغارة حيث وُضعَ جسد والدة الإله وفقَ التراث المنقول

وفي عظته الثانية، يعود الدمشقيّ يوحنا فيتناول دوام البتوليّة في والدة الإله قائلاً: "اليوم عذراء العذارى القديسة تُقدَّم إلى الهيكل السماوي

كانت العذرية فيها قوية كنارٍ آكلة. فهي تسقط عند أيّ ولادة. ولكنّ مريم بقيت عذراء قبل الولادة وفي الولادة وبعد الولادة"

ويدور جزء كبير من العظة حول العجائب التي حصلت عند رقاد والدة الإله. وكما يشير الدمشقيّ، لا نعلم عنها إلاّ القليل، ممّا تناقله الآباء والبنون، منذ الأيام القديمة

وفي وصفه لرقاد والدة الإله ودفنها، يخبر القدّيس يوحنا كيف ظهر المسيح ليصعِد روح أمّه إلى السماء، وأنّ والدة الإله كانت تستعدّ لدفنها

ويخبر عن زيّاح الدفن، وكيف حاول يهوديّ كافر أن يقلب النعش، ولهذا السبب شُلَّت يداه، كما يخبر كيف أنّ جسد والدة الإله وُضعَ في قبر الجثسمانيّة، ومن هناك نُقلَ بعد ثلاثة أيّام إلى الأخدار السماويّة"

في عظته الثانية، يروي الدمشقي بالتفصيل قصّة وضع ثوب والدة الإله المقدّس في كنيسة بلاشرن في القسطنطينية، مستشهداً بتاريخ أفثيميوس المدوّن على ما يُظَنّ في القرن السادس

في ختام العظة، يدعو القديس يوحنا الدمشقيّ والدة الإله مثالاً للبتوليّة، والطهارة والعفّة، والتنزّه عن الهوى، والصوم، والصلاة، وسائر الفضائل المسيحيّة"

أمّا العظة الثالثة في رقاد والدة الإله، فهي كلمة ختام للثلاثيّة كلّها

في عظته، يشير المؤلّف إلى أنّ العذراء مريم، بصفتها ابنة آدم، تخضع لقانون الموت العام، ولكن بما أنّها أيضًا والدة الإله، فإن روحها تُنقَل إلى السماء وليس روحها وحسب

يقول القديس يوحنا: لنرفع الجسد الدائم العذريّة بأذرعٍ روحيّة (…) هلمّ لنسجد، ونتعلّم السرّ العجيب الذي به انتقلت إلى السماء"

نرى أنّ القديس يوحنا الدمشقيّ، على مثال القدّيس أندراوس الكريتيّ، يعترف بقيامة والدة الإله بالجسد في اليوم الثالث بعد رقادها

ومع ذلك، لا نجد في نص الدمشقيّ أيّ وصف لانتقالها إلى السماء. فوالدة الإله ماتت موتاً طبيعياً ودُفنت. ولكن، عندما فتحوا قبرها في اليوم الثالث، لم يكن جسدها هناك

لم تبقّ إلاّ أقماط الدفن. لذلك، استنتجوا أنّها أقيمَت من الموت، رغم غياب شهود عيان على قيامتها وانتقالها بالجسد إلى السماء

إلى ذلك، يسهب يوحنا الدمشقيّ في كلامه على والدة الإله لدى دفاعه عن تكريم الإيقونات، مشيرًا إلى أنّ الذين يكرّمون إيقونة المسيح، ووالدة الإله والقدّيسين إنّما يؤدّون عبادة لله

في هذه المحاضرة، حاولنا أن نستعرض بإيجاز بعض الجوانب الأساسية من كتابات القديس يوحنا الدمشقيّ حيث يتكشّف "سرّ" سيّدتنا والدة الإله الفائقة القداسة والدائمة البتوليّة مريم.

 

شكرًا لاستماعكم!

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] إغناطيوس المتوشّح بالله، الرسالة إلى أهل أفسس، 19.



 

دائرة الاتصالات لقسم العلاقات الكنسيّة الخارجيّة 

تهنئة قداسة البطريرك كيريل للأسقف مار آوا روئيل بمناسبة انتخابه بطريركاً لكنيسة المشرق الآشوريّة

10.09.2021

قداسة البطريرك يقدم وسام المجد والشرف للدكتور أنطوان ميلاد الممثل الخاصّ للبطريركية القبطيّة

03.09.2021

قداسة البطريرك كيريل "قوات الشر تكسِّرُ وحدة الكنائس الأرثوذكسيّة"

29.08.2021

رسالة ترحيب من قداسة بطريرك موسكو للمشاركين في احتفالية "روسيا – اليونان، معًا عبر العصور"

21.08.2021

قداسة بطريرك موسكو يهنئ غبطة متروبوليت كييف بذكرى تنصيبه

17.08.2021

تعزية بطريرك موسكو وسائر روسيا بضحايا حادثة انفجار صهريج الوقود في بلدة التليل في عكار (لبنان)

16.08.2021

بطريرك روسيا يهنئ رئيس الكنيسة الجورجيّة بمناسبة عيد شفيعه

02.08.2021

رئيس الكنيسة الأنطاكيّة غبطة البطريرك يوحنّا العاشر يشكر البطريرك كيريل على مساعدته في تقديم اللقاح الروسي لفيروس كورونا

27.07.2021

التهنئة البطريركيّة لسيادة المتروبوليت هيلاريون بمناسبة عيد ميلاده الخامس والخمسين

24.07.2021

رسالة من قداسة البطريرك كيريل لتهنئة قداسة بطريرك صربيا بعيد ميلاده الستين

22.07.2021

قداسة البطريرك كيريل يعزي بوفاة رئيس كنيسة مالانكارا

13.07.2021

رسالة قداسة بطريرك موسكو إلى رئيس كنيسة مالانكارا

09.07.2021

التئام الدورة الثانية لاجتماع مجالس الكنيسة الروسيّة المشترك برئاسة قداسة البطريرك كيريل

27.05.2021

قداسة البطريرك كيريل يلتقي أساقفة من كنيسة مولدوفا الارثوذكسيّة

16.05.2021

قداسة البطريرك كيريل يعيّد رؤساء الكنائس الأرثوذكسيّة الشرقيّة التي تتبع التقويم اليولياني

03.05.2021

رئيس قسم العلاقات الخارجيّة الكنسيّة يهنئ الأسقف مار آوا روئيل لانتخابه رئيساً على كنيسة المشرق الآشوريّة

10.09.2021

اجتماع المتروبوليت هيلاريون والأمين العام المساعد لجامعة الدوّل العربيّة

03.09.2021

المتروبوليت هيلاريون يلتقي رئيس كنيسة القدس

05.08.2021

المتروبوليت هيلاريون: "المسيحية اليوم أكثر دين مضطهد في هذا العالم"

01.08.2021

المتروبوليت هيلاريون: "عيد معمودية الروس هو عيد الملايين من ابناء الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة بأسرها"

31.07.2021

المتروبوليت هيلاريون يترأس القدّاس الإلهيّ في معتمديّة الكنيسة الأنطاكيّة في موسكو

26.07.2021

مقابلة مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لميلاد المتروبوليت إيلاريون متروبوليت فلاكولامسك ورئيس قسم العلاقات الكنسيّة الخارجيّة.

24.07.2021

رؤساء الكنائس الأورثوذكسيّة يهنّئون رئيس قسم العلاقات الخارجيّة بمناسبة عيد ميلاده الخامس والخمسين

24.07.2021

سيعرض فيلم "الأسقف" عن سيادة المتروبوليت هيلاريون متروبوليت فولوكولامسك

24.07.2021

التهنئة البطريركيّة لسيادة المتروبوليت هيلاريون بمناسبة عيد ميلاده الخامس والخمسين

24.07.2021

عيد القديس سيرجيوس رادونيج في دير اللافرا "الثالوث القدوس"

18.07.2021

سيادة المتروبوليت هيلاريون: الوضع المأساوي للمسيحيين في العديد من بلدان العالم

18.07.2021

رئيس قسم العلاقات الخارجيّة في بطريركيّة موسكو يشارك في مؤتمر القمّة الدوليّ للبحث في مسائل الحرّيّة الدينيّة

15.07.2021

لقاء يجمع رئيس قسم العلاقات الخارجيّة الكنسيّة وعميد معهد القديس فلاديمير في نيويورك

14.07.2021

المتروبوليت هيلاريون يلتقي رئيس الكنيسة الأرثوذكسيّة في أميركا

12.07.2021

Page is available in the following languages
ملاحظات

الحقول المحددة * مطلوب التعبئة

أرسل الطلب
Рус Укр Eng Deu Ελλ Fra Ita Бълг ქარ Срп Rom عرب